الصورة الأخرى لرجل التشريفات

بهذا المقال الذي نشرته، النهار المغربية، تكون قد ساهمت في تكسير حالة الصمت إزاء الحملة التشهيرية التي استهدفت الأستاذ عبد الحق المريني مدير التشريفات الملكية و الأوسمة، تلك الحملة المؤذية التي تعرض لها، من طرف أقلام تسابقت و تنافست في النيل من مواطن أبي و رجل شريف، وأديب يعد واحدا من أكثر رجالات الثقافة في بلادنا، عطاء و حضورا وتواضعا.
لقد سجل كل الملاحظين الموضوعيين، أن الحملة المذكورة تجاوزت حدود النقاش حول مضمون الرسالة الرسمية التي بعث بها الرجل، في إطار مهامه ووظيفته، إلى الزميل علي أنوزلا مدير النشر في جريدة "الجريدة الأخرى"، مبديا ملاحظاته بشأن الملف الذي نشرته هذه الأسبوعية، حول جوانب خاصة وحميمية في حياة الأميرة زوجة الملك. كما سجل الجميع كيف توسعت تلك الحملة، لتنتقل إلى النبش في شخصية الرجل، والتعرض له بأسلوب لم يخل من مكر و تحامل، ولتتخذ مسارا ما تزال خلفياته غير الواضحة تثير التباسات كثيرة، تطرح علامات استفهام حول الجهة التي راهنت على الاستفادة من حملة صوبت كل سهامها، في اتجاه رجل، ظل الجميع يقدر سلوكه المهني المثالي، وعمقه الثقافي، وخصاله الإنسانية المجسدة لقيم النزاهة والمروءة، في أجمل صورها وأوضح معانيها، إذ على الرغم من أن موقعه الرسمي يبوئه مكانة رفيعة، ويتيح له امتياز الشهرة والحظوة وإمكانيات النفوذ، إلا أنه لم يسجل عليه أبدا عبر تاريخه المهني الطويل في ظلال القصر، أنه زاغ عن طريق الاستقامة و المروءة، أو سار في الاتجاه الذي اختاره أولئك الذين استهوتهم السلطة وأغرهم بريق النفوذ.
ولم يثبت في حقه أنه استغل مركزه لأي غرض نفعي، سواء لنفسه أو لأهله أو معارفه، الشيء الذي لا يستطيع أن ينكره، لا أصحاب الحملة المذكورة، و لا المستفيدون منها، أولئك الذين تغريهم الكراسي و المناصب، وتتفتح شهيتهم لغنائم المرحلة.
لقد كان مثيرا للانتباه أن الحملة على الأستاذ عبد الحق المريني، بدأت بتعقيب عنيف على رسالته التي هي في الحقيقة "رسالة دولة"، وليست رسالة شخص، ثم تحولت لتركز على الرجل في مساره المهني و الشخصي، و في تكوينه وأصله ونسبه، وطبيعة تفكيره وأسلوب عمله، وصولا إلى اعتباره ظلما وعدوانا، من طرف أسبوعية "لوجورنال"، رمزا للامتداد الطبيعي للجنرال مولاي حفيظ، لوزير السابق للقصور الملكية و التشريفات والأوسمة، بينما الحقيقة التي يعرفها جميع المسئولين المتعاملين مع القصر، مدنيين وعسكريين، وكذا رجال السياسة والدبلوماسية والإعلام والثقافة و الفن والمال و الأعمال، هي أن ما يفصل بين عبد الحق المريني ومولاي حفيظ، هو نفسه ما يفصل بين السماء والأرض، بل إن المقربين من محيط القصر، كانوا دائما يتهامسون بأخبار المضايقات التي كان يتعرض لها الأستاذ عبد الحق المريني خلال أدائه لمهامه على يد الجنرال، الذي هو الآن بين يدي الله، والجميع يعرف ماله وما عليه.
ومن حق الملاحظ النزيه أن يتساءل عن الغرض من ابتداع هذه الأكذوبة من طرف الأسبوعية الفرنكوفونية، ولو أن الرسالة واضحة، وهي الإيحاء بأن الرجل يمثل نموذج السلوك الاستبدادي الأرعن الذي كان يجسده الجنيرال الراحل، في حين أن الحقيقة هي خلاف ذلك تماما. و في رأيي أن هذه الجزئية، هي أكبر ظلم لحق بالأستاذ المريني في هذه الحملة، التي قرأت باهتمام شديد كل ما نشر في سياقها، فوجدت أن أبطالها صنفان اثنان، أحدهما اقتصر على انتقاد الرسالة المعلومة و التنديد بها. وهذا ما فعله فريق "الجريدة الأخرى" المعنية مباشرة برسالة القصر. ولن أخفي أن لي ملاحظات على أسلوب تعاطي الزملاء في هذه الأسبوعية مع رسالة، كان بإمكانهم الرد عليها برسالة مماثلة، لا بقرع طبول الحرب، مادام أن القصر اختار هذا الأسلوب في التواصل، عوض أساليب ادريس البصري المعروفة، ومادام أن الأمر في النهاية يتعلق بمجرد رسالة، وليس بإجراء قانوني أو فعل إداري، تعرض له عضو من هيئة تحرير هذه الجريدة. هذا فضلا عن أن القصر، حرصا منه على واجب التحفظ وصيانة حرمة المراسلات، لم يقم بتعميم رسالته على وسائل الإعلام الرسمية، وبالتالي لم تقم وكالة المغرب العربي للأ نباء للعهد الجديد، بما كانت تقوم به في مثل هذه الحالات زمن سطوة الصدر الأعظم ادريس البصري، من تجييش وردع لكل خارج عن الصف، ولعل هذه واحدة من مظاهر التغيير الذي يعيشه المغرب، ولا نقدره للأسف الشديد.
وإذا كنت لا أخفي تحفظي من الناحية المهنية والأخلاقية، على الملف الذي نشرته أسبوعية "الجريدة الأخرى" حول خصوصيات إنسانية وحميمية تهم الحياة الخاصة للأميرة زوجة الملك، فإني كذلك لا أتردد في القول إن لي ملاحظات بشأن ردود الزملاء في هذه الجريدة على "رسالة القصر"، ولا أقول رسالة السيد عبد الحق المريني، لأنه من المفروض في هذه النازلة أو في غيرها، أن الرجل تصرف كمسؤول في القصر، أي بصفته الرسمية وطبقا لما تقتضيه وظيفته النظامية، وليس بصفته الشخصية، وهنا مربط الفرس ومكمن الخلل، في كل ردود الفعل العنيفة التي تجاهلت هذه الحيثية، وفضلت الاستفراد بالرجل والتركيز عليه، في مطارحات واستطرادات ابتعدت حتى عن موضوع الرسالة نفسها.
وفي هذا السياق لا املك إلا أن أعبر عن استغرابي، مما جاء على لسان الزميل علي أنوزلا الذي أقدر كفاءته الصحفية، إلا أنني لم أستسغ كيف سمح لنفسه باستعمال تعبير "نباح الكلاب" وهو يعقب على الرسالة التي وصلته من الأستاذ عبد الحق المريني، وذلك ضمن حوار مع جريدة "الأسبوعية الجديدة" رغم معرفته الوثيقة بالرجل، ولذلك لا افهم كيف يصدرمثل ذلك التعبير عن الزميل علي أنوزلا، المعروف بلباقته وحرصه على الأصول وآداب الحوار.
أما الصنف الثاني من المقالات التي تعرضت لموضوع رسالة القصر إلى أسبوعية "الجريدة الأخرى" فذهب أصحابه إلى رفع سقف النقاش، حيث قرأنا حكايات عن ضرورة إعادة هيكلة وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، وضرورة تجديد أو تغيير البروتوكول الملكي، وحكايات أخرى عن قلاع المحافظة، داخل البلاط، واعتبار السيد عبد الحق المريني رمزا لها ومظهرا من مظاهرها، دون نسيان إتهامه بعدم التواصل مع الصحافة وخلوده الدائم للصمت، وصولا إلى الإيحاء بأن الوضع الحالي لوزارة القصور أصبح يقتضي تغييرات وتعيين جيل جديد.
و التعليق في نظري على هته الحكايات سهل وجاهز، ذلك ان قضايا البروتوكول الملكي وتنظيم إدارة القصرأو إعادة هيكلتها ومسألة التواصل في هذه المؤسسة ذات الخصوصية الواضحة، وكذا باقي الشؤون المتعلقة بالأنشطة الرسمية للقصر وعمل إدارته، كلها ا قضايا كبيرة يبقى للملك وحده حق وصلاحية التقرير فيها، ولا ينبغي للصحافة أن تقول لأحد ما يجب أن يفعل، فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بسيادة ملك في تدبير بيته الداخلي.
لقد آن الأوان أن نتحلى ولو بقدر من التواضع و المروءة، فنكف كصحفيين من إعطاء الدروس للغير، وممارسة نوع من الاستبداد عليهم، فقط لأنه أصبح اليوم بإمكاننا أن نكتب وأن نقول ما نريد. وحان الوقت أيضا كي ينتفض الجسم الصحفي على نفسه، وينظر إلى سلوكاته في مرآة الضمير وأخلاقيات المهنة، ويمارس نقدا ذاتيا للتخلص من سلبياته وشوائبه. وأمام الحالة التي وصلنا إليها، أصبح الوضع يستدعي من داخل الجسم الصحفي المغربي، موقفا مهنيا نزيها وشجاعا ومسؤولا، لتفادي العديد من الإنزلاقات والإنفلاتات التي مست، بكيفية أو بأخرى صورة المؤسسة الملكية وحرمتها الخاصة، وذلك في أفق ضبط خط تواصلي مسؤول وإيجابي وبناء بين القصر و الصحافة، عوض وضعية الارتباك و الاضطراب والخلل والانزلاق التي نعيشها منذ فترة، بحيث أصبح الخط التحريري لبعض المنابر منحصرا في الحديث عن القصر وشؤونه، بأسلوب لا يخلو من إثارة واستفزاز.
ولكن ما يدمي القلب هو أن بعض أبطال هذا الخط التحريري، كانوا للأسف الشديد حتى الأمس القريب، ضمن الصفوة المقربة من بعض صناع القرار، وتلك مصيبة أخرى تحتاج وحدها إلى كتاب وليس إلى مقال.
ولابد وأنا أختم مقالي هذا، دفاعا عن شرف رجل يحضى بتقدير الجميع، أن أصحح معلومات خاطئة سقطت فيها الأسبوعية الفرانكفونية المذكورة، حيث غيرت نسبه من الرباط إلى سلا، ونزعت عنه هويته الثقافية وصفته الأكاديمية كباحث جامعي، وتكرمت عليه في المقابل بصفة "معلم"، وذلك في سياق يوحي بالتنقيص من قدره، وكأن الوضيفة النبيلة للمعلم، أصبحت شتيمة في قاموس هذه الأسبوعية.
ولا بأس لأن أزيد في التصحيح، لأقول إن الرجل ليس فقط مسؤولا بإدارة القصر، ولكنه رجل ثقافة وفكر وصاحب قلم، وباحث معروف حاصل على دبلوم الدراسات العليا، من معهد الدراسات العربية الإسلامية العليا التابع لجامعة ستراسبورغ سنة 1966، وعلى دكتوراه من نفس الجامعة عام 1973، ثم دكتوراه الدولة في الآداب من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1989، وحائز على جائزة المغرب للكتاب سنة 1968، وجائزة عبد الله كنون للدراسات الأدبية سنة 1997. كما أنه عضو باتحاد كتاب المغرب، ومشارك باستمرار بأبحاثه في تاريخ الفكر والأدب والحضارة المغربية، على أعمدة الصحف و المجلات، وكذا في العديد من الندوات و الملتقيات الثقافية ببلادنا.
فهل كانت العاصفة التي اندلعت في وجه الرجل، تستهدف محو هذه الصورة النقية طمس معالمها الناصعة، و السعي لزرع صورة مغايرة عن الرجل في ذهن القراء، خدمة لهدف ما؟
سؤال قد تجيب عنه الأيام القادة. أما الأستاذ عبد الحق المريني فسيظل دائما موضع تقدير من لدن من عرفوه، أو عاشروه أو تعاملوا معه. سواء في إطار عمله الرسمي أونشاطه الثقافي، لأنه من معدن ثمين لا تزيده الأيام إلا نقاوة وتوهجا، معدن الإنسان المخلص في عمله، الوفي لثوابت أمته ووطنه، المترفع عن الأحقاد و الدسائس، الزاهد في مظاهر النفوذ والثروة و الجاه والأضواء.

عبد الإله التهاني